الثعلبي

148

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

صاحبه فيقول المطلوب أخّر عنّي فأزيدك على مالك فيفعلان ذلك فوعظهم اللّه تعالى . فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمر الربا فلا تأكلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ثم خوفهم فقال : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردّا على الجهمية ، لأن المعدوم لا يكون معدا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فلا تعذبوا وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الآية . قال عطاء : إن المسلمين قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : بنو إسرائيل كانوا أكرم على اللّه عزّ وجلّ منّا وكانوا إذا أذنبوا أصبحت كفارة ذنوبهم مكتوبة في عتبة بابهم : اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا ، فسكت عليه الصلاة والسلام ، فأنزل اللّه تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة . وحذف أهل المدينة والشام الواو منه . واختلفوا في العلة الجالبة لهذه المغفرة : فقال ابن عباس : سارعوا إلى الإسلام ، أبو العالية وأبو روق : إلى الهجرة ، علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : إلى أداء الفرائض ، عثمان بن عفان : الإخلاص ، أنس بن مالك : هي التكبيرة الأولى ، سعيد بن جبير : إلى أداء الطاعة ، يمان : إلى الصلاة الخمس ، الضحاك : إلى الجهاد عكرمة : إلى التوبة ، مقاتل : إلى الأعمال الصالحة ، أبو بكر الوراق : إلى اتّباع الأوامر والانتهاء عن الزواجر ، سهل بن عبد اللّه : إلى السنّة ، بعضهم : إلى الجمع والجماعات . وَجَنَّةٍ يعني إلى جنة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها كعرض السماوات والأرض كقوله ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ « 1 » أي كبعث نفس واحدة . قال الشاعر : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق « 2 » يريد صوت عناق . ودليل هذا التأويل قوله في سورة الحديد : كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ « 3 » يعني لو بسطت ووصل بعضها إلى بعض إنما أخص العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها . يدل عليه قول الزهري إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلّا اللّه كقوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها « 4 » فوصف البطانة بحسن ما يعلم من الزينة إذ معلوم أن الظواهر يكون أحسن وأنفس من البطائن .

--> ( 1 ) سورة لقمان : 28 . ( 2 ) تفسير الطبري : 1 / 785 ، لسان العرب : 1 / 805 . ( 3 ) سورة الحديد : 21 . ( 4 ) سورة الرحمن : 54 .